يعلمون

كان زيد ماراً بأحد الشوارع ، فرأى صديقه حامد، وأخذا يتبادلان أطراف الحديث، وكانت بينهما مسافة إذ كان يقف كلُ واحدٍ منهما في جهة من الشارع، وفي هذه الأثناء أقبلت سيارة مسرعة، ولأن حامد كان ينظر ناحية زيد فلم يكن يعلم بأن سيارة تتجه نحوه لتصدمه، بينما كان زيد يراها…

ياترى ماذا تتصورون الموقف المطلوب من زيد في هذه اللحظات السريعة؟!، هل عليه أن يقف مشدوهاً ومتفاجئاً متسمراً بلا حراك؟!، أم أن عليه الصراخ من قمة رأسه لتنبيه صديقه بالخطر القادم؟!، أم ماذا يصنع؟!…

من خلال هذه القصة الرمزية البسيطة نريد أن نسلط الضوء على مفهوم قرآني عميق وعظيم، قال تعالى: “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون..” الزمر – 9، ومن خلال هذه الآية الكريمة نقرأ أن من يعلم لا يستوي مع من لا يعلم، ليس فقط بالدرجة والمنزلة، لكن بالتكليف أيضاً، فتكليف من يعلم يحتم عليه النهوض بأعباء هذا العلم، لذا فمن البديهي والمتوقع من زيد أن ينبه صديقه الواقف على الجهة الأخرى من الشارع بالخطر القادم نحوه ويحثه ويأمره بالابتعاد عنه.

وقس على ذلك فالإنسان الذي يمتلك قدراً من العلم ويستطيع تشخيص الواقع، يكون تكليفه كتكليف صديقنا زيد، إذ ليس من المنتظر أن يقف مكتوف الأيدي غير مكترث ولا مبالٍ بما يحدق بمن حوله، فلا تراه يساهم في رفد مجتمعه الصغير أو الكبير بأي نوع من أنواع الإرشاد المباشر أو غير المباشر، ولا يساهم في نهوضه وتقدمه، ولا يعطي حتى القليل من وقته لأي جهة من الجهات الخيرية، وترى البعض منا يستنكف أن يرفع حجر أو عائق عن طريق المسلمين كما أمرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

إن تكليف المثقف الواعي يحتم عليه توجيه النصح وتقديم المقترحات والتصدي للمشاريع، خصوصاً إذا أدرك فراغاً يمكنه سده وقيادة من يعمل معهم للتميز، وهذا التكليف يمتد لجميع من لديه مسئولية سواءً كانت دينية أو اجتماعية أو ثقافية. فكما نطالب المشايخ بالتحرك في مجالهم الديني والاجتماعي، ونطالب المسئولين عن المؤسسات الخيرية المختلفة بتنشيط مؤسساتهم وعمل البرامج المتنوعة، يجب علينا التحرك في أي مجال نرى أننا قادرون على العطاء فيه ودفعه قدماً للأمام، وعدم الركون للراحة والاسترخاء واللامبالاة ونحن نرى خطراً محدقاً بغيرنا، وبنا أيضاً بشكل مباشر أو غير مباشر، إذ أن هذا الغير هو زوج أو ابن أو أخ أو صديق أو قريب أو جار أو ابن بلد أو “نظيرٌ لك في الخلق”.

إن لم نكن قد بدأنا فعلينا البدء من الآن، بفكرة واقتراح، بجهد ووقت، بساعدٍ يقف جنباً إلى جنب مع من يسعى للخير وينشد صلاح هذا المجتمع، وفي أي مجالٍ نحب ونرغب فكل الأبواب مفتوحة وعمل الخير متاحٌ ومطلوب ٌ من الجميع.

أضف تعليق