‎!ظنه خيرًا.. لكنه ليس كذلك

في أحد الأيام، خرجت مع والدي لشراء الخضروات والفواكه من المحل الذي اعتاد على الشراء منه. كان المحل كبيرًا، وعند انتهاء الجولة جلس والدي بالقرب من الباب على كرسي زوده به الموظفون، ريثما أنتهي من حساب المشتريات مع أمين الصندوق. بينما كنت أقف في طابور المحاسبة، بادرني شخص يقف خلفي بسؤال: “هل هذا والدك؟” فأجبته بنعم. فقال: “لماذا تأتي به إلى هنا؟ دعه في المنزل ليرتاح.”

‎فأجبته: “على العكس، بخروجه يغير روتين الجلوس في المنزل.” لكنه لم يقنع بالجواب وواصل كلامه قائلاً: “هؤلاء قد قدموا الكثير، والآن آن لهم أن يرتاحوا ويجلسوا في المنزل.” لم أرغب في مواصلة الحديث معه، فانشغلت بمحاسبة أمين الصندوق ومضيت.

‎لم ترق لي طريقة هذا الشخص في تقديم ما يعتبره نصيحة. فما معنى أن هؤلاء قد قدموا الكثير، والآن عليهم أن يرتاحوا؟ هل يعني ذلك أن يكونوا في طي النسيان ولا يبذلوا أي مجهود ولا يعيشوا بعض الأجواء التي يشعرون فيها بالحركة؟ تلك الحركة التي يستعيدون فيها على الأقل بعض ذكرياتهم الماضية وما كانوا عليه من نشاط وحيوية ومسؤولية تجاه المنزل والعائلة والمجتمع.

‎إليك يا عزيزي، يا من تحمل هذه الفكرة بأن يرتاح كبار السن ولا يعملوا شيئًا. خروج كبار السن للحياة ولو بشكل بسيط وممارستهم بعض الأدوار التي كانوا يعيشونها سابقًا ولقائهم بعامة الناس، ومن الممكن أن يصادفوا أناسًا كانوا يعرفونهم فيتبادلون معهم أطراف الحديث ويسألونهم عن أفراد عائلاتهم، وربما يتذكرون معهم بعض الذكريات والأحداث القديمة التي عاشوها معًا. كل ذلك يكسر حاجز الصمت الذي يملأ حياتهم ويعيد لها بعض النبض.

‎خروج كبار السن ليس ترفًا ولا نزهة عابرة، بل هو إنعاش وبعث لحياة ونفس جديدة.

‎فوزي المهدي
‎22 ديسمبر 2024

*الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

فكرة واحدة على ”‎!ظنه خيرًا.. لكنه ليس كذلك

  1. جميل ما خط قلمك فهذا الخروج يعيد لحياتهم نبضها وعلاقتها، بل يجعل من مزاجهم الذي عكره صفو الركود نشيطًا.

    Liked by 1 person

أضف تعليق