صلاة الحب!

وقعت أم ابراهيم في حيرة من أمرها وهي ترى بناتها يكبرن مقتربات من سن التكليف، وهن لا يتشجعن لأداء الصلاة، وإن أدينها فلا يكن في وقتها الصحيح. وظلت في تلك الحيرة متفكرة علها تهتدي لحل يريح قلبها ويصرف بناتها للاهتمام بالصلاة وأدائها في وقتها…

 وفي خضم بحثها عن ذلك الحل، اهتدت لفكرة أشارت بها جارتها أم سارة التي جربتها ونجحت نجاحاً باهرا، وهي أن تقوم بإعطاء كل واحدة من بناتها ورقة تحوي صورة لشجرة بها أغصان وفروع وأوراق تمثل أسابيع وأيام وأوقات الصلوات اليومية، إضافة لثمرة اليوم من عمل الخير لمدة شهر كامل. وتتلخص مهمة الأم في متابعة بناتها بأن يواضبوا على الصلوات في أوقاتها وتلوين تلك الأوراق والتفاحة، فإذا كانت معظم الأوراق خضراء (رمز للصلاة في وقتها)، وليست صفراء (رمز الصلاة الفائتة)، وتفاحة اليوم حمراء (رمز لعمل الخير)، تكون البنت قد استحقت الجائزة.

فرحت أم ابراهيم كثيراً وسارعت بتنفيذ الفكرة وطباعة الأوراق وتوزيعها على بناتها بعد الاتفاق معهن على الشروط، ووعدت كل واحدة منهن تلتزم بذلك بجائزة قيمة في نهاية كل شهر، وكلما كان الالتزام كبيراً كانت الجائزة أكبر.

بدأ العمل على تنفيذ الاتفاق وانطلق البنات كالفراشات في تلوين أوراق الشجر يوماً بعد يوم، بعد تنفيذهن الالتزام بالطبع، وانتهى الشهر الأول وقد حققن نجاحاً باهراً بجعل أوراق الشجرة تزهوا باللون الأخضر، ما عاد بالفرحة الغامرة على أم ابراهيم وجعلها مرتاحة البال وسعيدة بعد عناء وتفكير طويلين.

للأسف، لم تدم تلك الفرحة طويلاً، فبعد عدة أشهر من الالتزام بالاتفاق أصبحت تكثر الأوراق الصفراء الدالة على الصلوات الفائتة شيئاً فشيئاً، الأمر الذي أثار التساؤلات في عقل أم ابراهيم مجدداً، هل قصرت معهن في شيء؟ هل أن الجوائز والهدايا لم تكن ذات قيمة عالية؟ هل عليّ أن أبدلها لجوائز وهدايا أعلى قيمة وأكثر تنوعا؟ هل….؟.
وفي دوامة تلك التساؤلات، قامت أم ابراهيم بتنويع الهدايا وشراء ما حمل قيمة أكبر، فتحسن الحال قليلاً ثم عاد إلى سابق عهده، وعادت الأسئلة مجدداً تعصف بذهن أم ابراهيم. ماذا عليّ أن أفعل؟

وحدث ذات يوم أنها كانت في منزل أم أحمد (إحدى صديقاتها) وقد قرب وقت الأذان، وإذا بها ترى فاطمة وأحمد وعلي وهم أبناء أم أحمد الصغار، وقد أقبلوا على أمهم لابسين أفضل ثيابهم متهيئين للصلاة وحاملين سجادات الصلاة ليفرشوها في صالة المنزل أمام أمهم.

أكملوا تهيئة أنفسهم للصلاة وجلسوا على السجاد، وإذا بهم يخاطبون أمهم بأن تقبل عليهم فهم قد أصبحوا جاهزين لاستقبالها. كل ذلك يحدث وأم ابراهيم في دهشة ولا تدري ماذا تقول.

استأذنت أم أحمد من أم ابراهيم وتوجهت لأولادها جالسة أمامهم، وهي تسألهم: “إلى أي قصة وصلنا يا أبنائي الأحبة؟”، فأجابوها جميعاً: “وصلنا لقصة النبي يونس عليه السلام” فأجابتهم: “جميلٌ جداً….” وشرعت تحكي لهم قصة النبي يونس عليه السلام وتسرد لهم ما فيها من العبر والمواعظ والحكم، إلى أن شرع المؤذن في رفع الأذان، هنا توقفت الأم شاكرةً أطفالها لجميل اصغائهم ووعدتهم بإكمال القصة في المرة القادمة وقبل أن يؤذن المؤذن. وبعد فراغ المؤذن شرعوا جميعاً في الصلاة ومعهم أم ابراهيم بالطبع.

جرى كل ذلك أمام نظر أم ابراهيم التي بقيت مندهشة بما رأت، فقد كان حرص الأولاد على أن يكونوا جاهزين للصلاة قبل فترة من الأذان واستمتاعهم بذلك وتعامل الأم معهم وسردها للقصة كان عملاً رائعاً، ما جعلها تبادر أم أحمد بالسؤال بعد فراغهم من الصلاة، “كيف جعلتيهم ينساقون لذلك العمل بكل رغبة واندفاع؟”

أجابت أم أحمد وقد علا وجهها الفخر والسرور: “نصحتني إحدى الأخوات باتباع تلك الطريقة، وكانت البداية أن بادرت أنا بتجهيز فرش الصلاة وملابس الأولاد ودعوتهم لتلك الجلسة قبل حلول موعد الأذان، وبدأت أسرد لهم من قصص الأنبياء والأئمة والأوصياء والصالحين، وقد أعجبتهم تلك الطريقة وشيئاً فشيئاً أصبحوا هم من يبادرون كما رأيتي بتجهيز ملابسهم وفرش الصلاة لأنضم لهم بعد ذلك وأسرد عليهم تلك الحكايا حتى رفع الأذان، وبذلك تتحقق الفائدة والمتعة والتعرف على سيرة الصالحين والمحافظة على أداء الصلاة في وقتها”.

“ألا يشكل ذلك عبئاً والتزاماً عليك عزيزتي؟” سؤالُ توجهت به أم ابراهيم لصديقتها، لتجيبها أم أحمد: “بالطبع هو عبئ والتزام، لكنه التزام جميل جعلني أرجع للقراءة وأتعرف أكثر على قصص الأنبياء والصالحين من خلال الكتب ومواقع الانترنت الموثوقة طبعاً والتي نستطيع استعراضها من خلال هواتفنا الذكية وفي أي مكان. كما أن تربية الأولاد بحاجة لذلك الجهد وهي ليست أمراً هيناً، لكني لولا التزامي بذلك لما وصلت لهذه النتيجة، ولأصبحت كباقي الأمهات يصرخن وينصحن ويزجرن أولادهم عند كل فريضة ويحذروهم من النار إن هم أهملوا الصلاة. وأنا أبشرك يا أختي، فقد أصبح الأولاد يشاركونني أيضاً في التحضير لذلك وسرد الحكايا واستلهام العبر والمواعظ، وإن طرأ طارئ جعلني أغيب عنهم تولوا هم المهمة وقاد أحدهم الجلسة”.

أعجبت أم ابراهيم جداً بتلك التجربة وقررت نقلها والعمل بها مع أولادها، وشرعت في ذلك مباشرة وكانت النتائج مبهرة، فأصبحت سعيدة بذلك الحصاد الذي لم تكن قد حصلت عليه في التجربة السابقة مع شجرة الصلاة.

بعد عدة أشهر وقد كانت الأمور تجري على أحسن ما يرام، حضرت أم إبراهيم لإحدى المحاضرات وقد كان عنوانها (طرق التربية وإدارة سلوك الأبناء)، فقررت أن تتداخل لتعرض تجربتها علها تفيد الحضور فسردت لهم تجربتها مع شجرة الصلاة وطريقة التحفيز بالجوائز، والتجربة الثانية مع سرد الحكايا المليئة بالمواعظ والعبر، ولخصت النتيجة من تلك التجربة بأن الطريقة الثانية أفضل لأنها ركزت على نقل القيم والالتزام والتحلي بخصال العظماء والابتعاد عن الماديات.

شكر المحاضر أم إبراهيم على مداخلتها القيمة مثنياً على دورها وحملها لهذا الأمر على عاتقها والالتزام به، وفي تعليقه على النتيجة التي خلصت إليها قال: “أما بخصوص الطريقة المثلى للتعامل مع الأولاد، فإني أوافقك الرأي، لكن كلتا الطريقتين يمكن اتباعهما والعمل بهما، ويوجد غيرهما من الطرق الكثير كذلك، لكننا بحاجة لاعتبار ذلك وسيلة وليست غاية، فتقديم الجوائز والهدايا وسرد القصص وغير ذلك من الأمور التشجيعية تجلب المتعة بالطبع للأولاد، لذا من الضروري أن لا نجعل منها غاية الأمر، بل وسيلة للتأثير والوصول للهدف وهو هنا جعل الأولاد يهتمون بالصلاة وهو الأثر، لذا فمقياس نجاحنا أن يبقى الأثر وهو المحافظة على الصلاة، حتى لو زال المؤثر وهو القصة والهدية والجائزة، كما أننا يجب أن نضع نصب أعيننا قوله عز وجل: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها…) {طه 132}، وتلك الآية تحثنا على التشجيع والأمر بالصلاة، وكذلك بالاصطبار أي المداومة عليها، فعندما يرانا أولادنا وأهلنا ونحن قدوة ومثالاً ملتزمون بما نأمر به سيكون من السهل عندئذ أن يصل لهم الأمر ويسمعون النصيحة، لأن ذلك يكون ممزوجاً بالحب في أي طريقة اتبعناها سواء بطريقة الشجرة أو الحكايات أو غيرهما، ولتكون تلك الصلاة عنواناً لصلاة الحب”.

فوزي المهدي

24 يوليو 2015

ملاحظة: بعض أحداث هذه القصة واقعية.

7 أفكار على ”صلاة الحب!

  1. عظيم قد أعجبني اهتمام الأمهات بالابناء وتبادل التجارب وتطبيقها والاستمرار في تجريب طرق أخرى كما أعجبني توثيق هذه التجارب وذلك ﻷن المشروع القرآني الاسلامي في جميع مجالات الاصلاح يتقدم بتوثيق التجارب وهذا المجال الأسري أيضا جزء من الإصلاح الاجتماعي أو البناء الاجتماعي .. بارك الله في عملكم المهم.

    إعجاب

  2. مقال جميل
    عظات وعبر جميلة وذات فائدة واقعية واجتماعية
    ابدعت ايها المتألق دائما

    إعجاب

  3. التربية فن راقي ورفيع المستوى تتجمع فيه الكثير من العلوم والملكات … ومن يصل إليها فقط وصل إلى خير عظيم

    المقال في الصميم وصياغته رائعة وسلسة جدا .. وفقت وللأمام

    إعجاب

  4. مقال جميل جدا
    واتمنى نشر المزيد من هذه المقالات التي يفهمها العامة ويتدبرها الخاصة لعلها تساهم في تكوين مجتمع ملتزم دينيا
    عارفا بأمور دينه.

    إعجاب

  5. جميل جدا ما خطته يداك استاذي ..
    نعم الامر يستحق العناء والصبر وفوق كل هذا وذاك يجب على كل أم مربية ان تكون واعية مثقفة لديها من التجارب والعلوم ما يكفي لترغيب اطفالها على العبادات خصوصا ونحن في زمن كثرت فيه مغريات الحياة .. لا يجب علي انتظار اقتراب فترة التكليف بل يجب علي تعزيز التوحيد وحب الله في قلوب أطفالي منذ سن مبكرة .. حتى اذا ما وصلوا لمرحلة التكليف تكون لديهم الفكرة الكاملة حول وحدانية الله وطاعته وهناك من الكتب الكثير. الكثير التي تحكي التوحيد والعبادة بصورة شيقة وبسيطة يتفهمها الطفل في سن الرابعة .. 🌷

    دمتم للخير وبخير ..🌷

    إعجاب

  6. أعجبتني القصة وسأحاول تطبيق ما جاء فيها
    لتشجيع الأبناء على أداء صلاة الصبح
    أحد الآباء يقيم صلاة الصبح جماعة في منزله مع أبنائه وزوجته مما جعل الأبناء يلتزمون بالصلاة في وقتها

    إعجاب

  7. أعجبتني القصه …..ونحتاج الي وقفات اتجاه هذا الموضوع .في معرفة أهمية الصلاه وماهيتها.
    ومن المسؤول عن هذه تربية الأبناء في هذا الجانب الأم فقظ أم الأب فقظ .
    أم المجتمع الذي حمل على عاتقه تعليم الأولاد والبنات.
    كل هذه الأمور المجتمع يحتاج فيها الي توعيه .لكي يعرف كل منا مهامه .
    موفق أخي العزيز وجاري

    إعجاب

اترك رداً على حسين علي بوحسن إلغاء الرد