هل يكتبنا من وفده؟!

كنت قد واكبت موسم الحج لثلاث سنوات متتالية ابتداءً من موسم حج عام 1432هـ/2011م، حيث التحقت بنفس الحملة في كل موسم.

وقد كان هناك شاب دائماً ما يلفت انتباهي وانتباه الحجاج المتواجدين معنا في الحملة، حيث أنه يأتي للحج برفقة والدته المقعدة، فتراه يخدمها في كل صغيرة وكبيرة ويجر عربتها في كل مكان رغم صعوبة التنقلات وكثرة الأعمال، ولم يطلب من أحدٍ مرةً أن يعينه في الاعتناء بها، فقد كان يتلذذ بأن يكون خادماً لأمه الحنون…

وجاء موسم حج عام 1434هـ / 2013م، وتوافد الحجاج على الأراضي المقدسة في مكة، ومع اكتمال جهوزيتهم للذهاب إلى أرض عرفات في ليلة التاسع من ذي الحجة للوقوف هناك في يوم التاسع، افتقدنا وجود هذا الشاب، الذي كان رغم هدوءه وابتسامته التي لا تفارق وجهه، يكون حضوره طاغياً وكأن له حبوةٌ مميزة وخصوصية تفرض ذلك الحضور.

سألنا عنه فقيل لنا بأنه لم يستطع اللحاق بركب الحجيج في هذا العام، فأسِفنا لذلك إذ نحن على علم بما يكنه في صدره من حب لهذه الشعيرة العظيمة ومدى تعلقه بها.

أتممنا الوقوف بعرفات، ثم الوقوف بمزدلفة (المشعر الحرام) وبعد ذلك أفضنا لمنى وفيها توجهنا لرمي جمرة العقبة في يوم العيد ثم النحر والتقصير وأحللنا من الإحرام. اغتسلنا وهنأنا بعضنا البعض وصلينا صلاة العيد. أعددنا العدة للمبيت بمنى، وقد كان مبيتاً روحانياً مليئاً ببرنامج عبادي عرفاني.

ونحن في خيمة المبيت بمنى نقضي فترة استراحة، وإذا به يطل علينا وكأنه قمرٌ قد ترقبنا طلعته. نعم إنه هو ذلك الشاب الذي كان معنا في العامين الماضيين، والذي كان ملازماً لأمه المقعدة. هبينا لاستقباله والسلام عليه وتهنئته بوجوده في هذه البقعة المباركة.

سألته، لقد افتقدناك يا رجل، سألنا عنك فقالوا بأنك لم تستطع المجيء، فكيف أصبحت هنا؟ ولماذا لم تأت معنا؟ وكيف حال أمك الطيبة؟
فأجابني، الحمد لله الذي وفقني مجدداً لهذه الشعيرة العظيمة. أما عن سؤالك عن والدتي فهي بخير ولله الحمد. وأما عن كيفيه وصولي إلى هنا، ففي الحقيقة رغم رغبتي ومحاولاتي للتنسيق من أجل الالتحاق بحج هذا الموسم إلا أني لم أفلح في ذلك، ففوضت أمري لله سبحانه وتعالى.

إلى أن جاء يوم السابع من ذي الحجة، وإذا بصديق لي يتصل ويطلب مني تجهيز نفسي للذهاب للحج، فأجبته وكيف يكون ذلك ونحن لم نرتب شيئاً وليس في جوازاتنا الختم الخاص بالحجاج، وأننا سنتعرض للمصاعب ولن نستطيع الوصول للمشاعر. فقال لي، لا عليك يا صديقي، فقط جهز حقيبة سفرك وكن مستعداً، سنتوجه إلى هناك وبإذن الله تعالى سنوفق لكل خير.

نزلت عند رغبة صديقي وجهزت حقيبة سفري وتوكلنا على الله. وصلنا الميقات وأحرمنا، وبعد ذلك مررنا بنقطة التفتيش التي تليه، فقاطعته هنا، بالتأكيد أنك نزعت الإحرام لكي تتمكن من المرور من النقطة. فأجابني، لا لم أخلع الإحرام، بل مررت بنقطة التفتيش وأنا أرتديه، وعندما سألوني عن ختم الحج وقعت في حيرة، فليس لدي هذا الختم، لكني توكلت على الله وأعطيتهم الجواز، وإذا بالشرطي المسئول هناك يقول لي: تفضل أهلاً وسهلاً، ولم يسألوا صديقي عن الختم في جوازه، ومررنا من نقطة التفتيش ووصلنا للبيت الحرام في يوم الثامن من ذي الحجة وأتممنا أعمال العمرة وفي نفس الليلة توجهنا لعرفات وأتممنا تلك المناسك وها نحن معكم.

أخذ صاحبنا في إكمال حديثه ووصف شعوره وارتياحه العميق لهذه الضيافة الإلهية العظيمة، فتساءلت في نفسي، هل أنا أعيش في حلم أم ماذا؟، كيف لتلك الأحداث أن تقع وتسهل لصاحبنا جميع أموره ويبعث الله له صديقه رسولاً لكي يكون من خاصة حجيجه ووفده الذين يرعاهم، سبحان الله!، كيف تذللت كل تلك الصعاب له. وإذا بدمعة تترقرق مني ورحت أردد “يا رضا الله ورضا الوالدين..”.

وكما هي تترقرق وأنا أكتب هذه السطور، وتترقرق من كل واحد يقرأها متذكراً تلك اللحظات الملكوتية التي لا تحسب من الزمن، فهل يكتبنا العلي القدير من وفده مجدداً؟

يقول الإمام الصادق عليه السلام: “الحاجّ والمعتمر وفد الله، إن سألوه أعطاهم، وإن دعوه أجابهم، وإن شفعوا شفّعهم، وإن سكتوا ابتدأهم، ويعوّضون بالدرهم ألف درهم”.

فكيف بحاج بارٍ بأمه.

ملاحظة: أحداث هذه القصة واقعية؛ مع بعض التصرف.

فوزي المهدي
5 ذو الحجة 1436 هـ
19 سبتمبر 2015 م

6 أفكار على ”هل يكتبنا من وفده؟!

  1. قصة جميلة ومعبرة عزيزي وأجمل ما فيها الربط بين بر الوالدين والتوفيق لأداء شعيرة الحج .. بل والتوفيق لكل خير الدنيا والآخرة .. وفقك الاله وسدد خطاك .

    إعجاب

اترك رداً على مريم العرب إلغاء الرد