مثلث الثاء

image

كان يا ما كان .. كان الدكتور كورتيس طبيباً ماهراً بخبرة تفوق الثلاثين عاماً قضاها في علاج المرضى. ولأنه يعشق لعبة البيسبول كان دائماً ما يذهب مرتدياً قبعته ومعطفه السوداوين لمشاهدة لاعبي فريقه المفضل وهم يقذفون الكرات ويجرون لكسب النقاط والفوز. ولكثرة تردده على حضور تمارين الفريق نشأت بينه وبين اللاعبين علاقة ودية.

عندما فاز الفريق ببطولة الدوري أُقِيمَ حفل تكريم، ودعا اللاعبون صديقهم الدكتور كورتيس فلبى الدعوة فرحاً مسروراً.

كان يجلس على إحدى الطاولات مستمتعاً وإذا بعريف الحفل يقول: “والآن مع خطاب الدكتور كورتيس ليحدثنا عن أهمية صحة لاعب البيسبول…”.

صفق الجميع لهذا الحدث المفاجئ والمفرح لهم، لكن الدكتور كورتيس تَسَمَّرَ على كرسيه لا يدري ماذا يفعل. ولأن التصفيق بدأ يرتفع ويصبح أكثر حرارةً، اضطر للقيام من على كرسيه وأخذ يتطلع إلى المنصّة وهو يسير بتردّد، وشيئاً فشيئاً اتجه ناحية الباب وخرج.

ساد القاعة صمتٌ حائِرْ.

إذا عَلِمنا أن أكثر من سبعين بالمائة من الناس يعيشون الخوف من مواجهة الجمهور أو ما يسمى {برهاب المسرح}، عندها فقط سنعذر الدكتور كورتيس.

الدكتور كورتيس كان لديه الضلع الأول من أضلاع مثلث الثاء ألا وهو “الثقافة”، فهو يمتلك خلفية عن موضوع الصحّة، وصحّة لاعب البسيبول بالتحديد تؤهله لأن يتحدّث ساعات وساعات وساعات، لكنه كان يفتقد للضلع الثاني ألا وهو “الثقة”، حيث لم تكن لديه الثقة اللازمة التي تدفعه لمواجهة الجمهور.

تتحدث آيفي نايشتادت في كتابها (تكلّم بدون خوف) عن تسع خرافات إذا ما غذينا بها عقولنا سلبت منا الثقة وجعلتنا عاجزين حتى عن مواجهة أنفسنا أمام المرآة، وهذه الخرافات تركز في مجملها على التوتر وأن من يخطب في الناس يجب أن يكون إنساناً كاملاً ولا يُخطئ.

أما بالنسبة للضلع الثالث من أضلاع مثلث الثاء فهو “الثبات”، وهي القاعدة التي يرتكز عليها الضلعان الآخران ومنها ينطلقان. والثبات المقصود هنا ليس هو الثبات الساكن، بل الثبات المضطرد الذي يزيد من ثقافة وثقة المتحدّث أو الخطيب.

وبذلك تكتمل أضلاع مثلث الثاء.

نعود لصديقنا الدكتور كورتيس، فبعد انهزامه من حفل التكريم توجّه لمعهد ديل كارنيجي للخطابة وتدرب وأصبح متحدّثاً بارعاً، حتى أن مرشحي الرئاسة الأمريكية استعانوا به في حملاتهم الانتخابية.

الدكتور كورتيس حلَّ لُغْزَ مثلث الثاء، فَلِمَ لا نعقد العزم على ذلك نحن أيضاً؟!

فوزي المهدي،
14 ديسمبر 2015

12 فكرة على ”مثلث الثاء

  1. “هذه الخرافات تركز في مجملها على التوتر وأن من يخطب في الناس يجب أن يكون إنساناً كاملاً ولا يُخطئ”

    أعتقد إن من يود أن يخطب في المحلفل يجب أن يكون ملماً جيداً بما يقول ويطرح معلومات مفيدة للمستمعين. فالثقافة والثقة والثبات من دون صدق في الطرح لا تكفي.

    موضوع جميل.
    شكرا لكم.
    دمت بود،

    إعجاب

    1. أحسنت أخي العزيز أستاذ حسين،

      بالفعل الصدق والأخلاق هي من أولى أولويات الخطيب الناجح…

      ما وددت أن أوصله من خلال هذا المقال هو فكرة مبسطة، فلو أردنا الحديث عن كل المقومات فسنحتاج إلى كتب…

      وبإذن الله في المستقبل سأسلط الضوء على بقية مقومات الخطيب الناجح…

      أيضاً يمكننا تضمين الصدق ضمن ضلع من أضلاع هذا المثلث ألا وهو ضلع الثقافة…

      وللحديث تتمة في قادم الأيام بإذن الله تعالى…

      إعجاب

  2. مقال رائع ومفيد جداً..
    هل هناك عوامل فيسيولوجية تؤثر على التوتر في الحديث أمام الجمهور والآخرين عموماً، كالتي تتعلق بصحة الإنسان وطباعه المتوارثة؟

    إعجاب

    1. جزيل الشكر لك أخي العزيز أستاذ خليل،

      هناك العديد من العوامل التي يمكن أن نتحدث عنها ونسهب فيها طويلاً…

      لكن لنتجاوز تلك العوامل لنضع نصب أعيننا مبدأ (الإرادة) فإذا أراد الإنسان أن يتغلب على أي عامل من العوامل التي تحول بينه وبين ما يريد فبإمكانه ذلك…

      وخير مثال هو ما حدث قبل بضعة أشهر، من فوز شخص يعاني من التأتأة منذ صغره ولا زال، لكنه أصبح بطل العالم في الخطابة، وهو المهندس محمد القحطاني السعودي الجنسية الذي فاز بالمركز الأول في مسابقة منظمة التوستماسترز العالمية في أمريكا لعام 2015…

      وكما يقول ديل كارنيجي في كتابه فن الخطابة، ويورد نصيحته الأولى من نصائح تنمية الشجاعة والثقة بالنفس إذ يقول “إبدء برغبة قوية”… فهي الرغبة الدائمة التي تُلِحُ على المرء بأن يتخطى كل الحواجز مهما كان نوعها…

      إعجاب

  3. نعم ، لقد حدث هذا الأمر تماماً عندما وقفت هي بشموخ أمام الجمهور وألقت بكلماتها السحرية وحل الصمتُ والدهشة من قدرتها على الحديث على الرغم من خجلها المعروف وركوبها المنصة لأول مرة .. وكُنت هُناك .

    إعجاب

اترك رداً على أميرة درويش إلغاء الرد